محمد بن جرير الطبري

17

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

قال : وأستاههم ؛ ولكن الله كريم يكني . حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا أبي ، ثنا سفيان ، عن أبي هاشم ، عن مجاهد ، في قوله : يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ قال : وأستاههم ؛ ولكن الله كريم يكني . حدثني محمد بن المثنى ، قال : ثنا وهب بن جرير ، قال : أخبرنا شعبة ، عن يعلى بن مسلم ، عن سعيد بن جبير ، في قوله : يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ قال : إن الله كنى ، ولو شاء لقال : أستاههم ، وإنما عنى بأدبارهم : أستاههم . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، قال : أستاههم يوم بدر . قال ابن جريج : قال ابن عباس : إذا أقبل المشركون بوجوههم إلى المسلمين ضربوا وجوههم بالسيوف ، وإذا ولوا أدركتهم الملائكة فضربوا أدبارهم . حدثنا محمد بن بشار ، قال : ثنا عبد الرحمن ، قال : ثنا عباد بن راشد ، عن الحسن ، قال : قال رجل : يا رسول الله إني رأيت بظهر أبي جهل مثل الشراك ، فما ذاك ؟ قال : " ضرب الملائكة " . حدثنا محمد ، قال : ثنا عبد الرحمن ، قال : ثنا إسرائيل ، عن منصور ، عن مجاهد : أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم : إني حملت على رجل من المشركين ، فذهبت لأضربه ، فندر رأسه . فقال : " سبقك الله الملك " . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : ثني حرملة ، أنه سمع عمر مولى غفرة يقول : إذا سمعت الله يقول : يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ فإنما يريد أستاههم . قال أبو جعفر : وفي الكلام محذوف استغني بدلالة الظاهر عليه من ذكره ، وهو قوله : ويقولون ذوقوا عذاب الحريق ؛ حذفت " يقولون " ، كما حذفت من قوله : وَلَوْ تَرى إِذِ الْمُجْرِمُونَ ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنا أَبْصَرْنا وَسَمِعْنا بمعنى : يقولون ربنا أبصرنا . القول في تأويل قوله تعالى : ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيل الملائكة لهؤلاء المشركين الذين قتلوا ببدر أنهم يقولون لهم وهم يضربون وجوههم وأدبارهم : ذوقوا عذاب الله الذي يحرقكم ، هذا العذاب لكم بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ أي بما كسبت أيديكم من الآثام والأوزار واجترحتم من معاصي الله أيام حياتكم ، فذوقوا اليوم العذاب وفي معادكم عذاب الحريق ؛ وذلك لكم بأن الله ليس بظلام للعبيد ، لا يعاقب أحدا من خلقه إلا بجرم اجترمه ، ولا يعذبه إلا بمعصيته إياه ، لأن الظلم لا يجوز أن يكون منه . وفي فتح " أن " من قوله : وَأَنَّ اللَّهَ وجهان من الإعراب : أحدهما النصب ، وهو للعطف على " ما " التي في قوله : بِما قَدَّمَتْ بمعنى : ذلك بما قدمت أيديكم ، وبأن الله ليس بظلام للعبيد في قول بعضهم ، والخفض في قول بعض . والآخر : الرفع على ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ وذلك أن الله . القول في تأويل قوله تعالى : كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ يقول تعالى ذكره : فعل هؤلاء المشركون من قريش الذين قتلوا ببدر كعادة قوم فرعون وصنيعهم وفعلهم ، وفعل من كذب بحجج الله ورسله من الأمم الخالية قبلهم ، ففعلنا بهم كفعلنا بأولئك . وقد بينا فيما مضى أن الدأب : هو الشأن والعادة ، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع . حدثني الحرث ، قال : ثني عبد العزيز ، قال : ثنا شيبان ، عن جابر ، عن عامر ومجاهد وعطاء : كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ كفعل آل فرعون ، كسنن آل فرعون . فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ يقول : فعاقبهم الله بتكذيبهم حججه ورسله ومعصيتهم ربهم ، كما عاقب أشكالهم والأمم الذين قبلهم . إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ لا يغلبه غالب